التخطي إلى المحتوى

عقارب الساعة تقترب نحو العاشرة من صباح الحادي عشر من مايو 2018، استنفار أمني لم يخلو من الشرطة النسائية بمحطة حمامات القبة- إحدى محطات الخط الأول لمترو القاهرة الكبرى، أصوات تعلو من الرجال والنساء المصطفين أمام شباك التذاكر، كل منهم يفرغ يده من الحقائب ليحسب عدد محطات وجهته، بينما يجلس البائع خلف الحائط الزجاجي يصنف التذاكر التي تحمل كل منها لونًا وسعرًا مختلفًا، في أول أيام تطبيق زيادة على أسعار التذاكر، وعينه تلتقط محتويات ورقة ذات ألوان متدرجة بين الأحمر والأخضر، مخطوط عليها المحطات بمختلف أسعارها.

رصيف المحطة شبه خالي إلا من بضع رجال ومجموعة من السيدات، تتدرج أعمارهن بين العقد الثالث والرابع، يلتقطون أطراف الحديث عن زيادة سعر التذكرة، فتقول المرأة التي يختفي جسدها الضئيل بعباءة تشبه الفحم الخالص في غلظة سواده “لو ركبت ومعايا جوزي وعيالي الاثنين المترو هندفع قرب الـ21 جنيه، ده غير المواصلات التانية.. هنجيب منين فلوس لكل ده؟”.

كعادته، استقر المترو بالمحطة في هدوء، فاتحًا أبوابه على مصرعيها.. المقاعد ممتلئة بالسيدات، بينما تتشبث الفتيات بالخطاف المتواجد داخل العربة؛ للحفاظ على توازنهن، مرت ثواني ليعلن سائق المترو عبر صفارة عن استعداده للرحيل، لكن ذلك لم يوقف الحديث الذي بدأ لتوه بين السيدات التي تحمل كل منهن تذكرة بسعر مختلف.

على إحدى مقاعد المترو تجلس “حمدية مصطفى”، تحمل بين أطراف أصابعها تذكرة بقية 7 جنيهات، تعرض بطريقة فكاهية على الراكبات شرائها، مرددة: “يا بنات دي بقت أغلى من ساندوتش الفول.. حد يشتري التذكرة”.

دقائق، وتبادلت الفتيات أطراف الحديث، وكل منهن متمسكة بالتذكرة، فتقول الأولى: “ربنا يكون في عون الفقراء اللي كان المترو وسيلتهم الوحيدة للشغل”، لترد السيدة التي تجلس على بعد بضع مقاعد: “أنا كنت برمي التذكرة بعد ما بركب لكن دلوقتي بقت أغلى عندي من عيالي”.

المحطات تتوالى ولا تتوقف كل سيدة عن رواية مآساتها مع سعر تذكرة المترو عقب ارتفاعها، لكن صوت يصدر من المكروفونات المعلقة بمحطة السادات بدأ يشق طريقه نحو أذن السيدات فور توقف المترو “ركاب مترو الأنفاق تقرر تطبيق نظام تعريفة المترو بحسب المناطق؛ حرصًا من الشركة القومية لمترو الأنفاق على تطوير خدماتها المقدمة للسادة لركاب”.. الصمت كان سيد الموقف لدقائق، إلا أن نبرة لسيدة عجوز كسرت ذلك السكون، قائلة: “تطوير إيه اللي كل يوم يتكلموا عنه.. على الأقل ركب مروحة بدل الحر اللي إحنا فيه ده”.

على بعد خطوات من ماكينات التذاكر بمحطة السادات، يظهر طابور متشابك لسيدات ورجال يتدافعون نحو بعضهم البعض على شباك التذاكر، وسط ذلك الزحام يقف الشاب العشريني محمد إبراهيم، يحمل بيده صفائح من البويات، بينما ملابسه ملخطة بالألوان الحوائط المختلفة، يظهر على ملامحه القلق فور إخراجه الأموال من بنطاله الذي لم يجد به إلا 50 جنيه.

“14 جنيه مترو رايح جاي، و20 جنيه فطار وغداء”.. هكذا ترك محمد الطابور الذي كاد يصل لبدايته، وجلس يفكر في مصدر رزق طفله الذي لم يكمل عامه السابع “اجيب مصاريف ابني منين بعد كده.. رحمتك يا رب”- نطق بتلك الكلمات ونهض ليعود إلى شباك التذاكر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *